السرخسي

13

أصول السرخسي

معنى التضاد بينهما باختلاف الوقت ، فعرفنا أن شرط التضاد والتمانع اتحاد المحل والوقت . ومن الشرط أن يكون كل واحد منهما موجبا على وجه يجوز أن يكون ناسخا للآخر إذا عرف التاريخ بينهما ، ولهذا قلنا : يقع التعارض بين الآيتين ، وبين القراءتين ، وبين السنتين ، وبين الآية والسنة المشهورة ، لان كل واحد منهما يجوز أن يكون ناسخا إذا علم التاريخ بينهما ، على ما نبينه في باب النسخ . ولا يقع التعارض بين القياسين ، لان أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخا للآخر ، فإن النسخ لا يكون إلا فيما هو موجب للعلم والقياس لا يوجب ذلك ولا يكون ذلك إلا عن تاريخ وذلك لا يتحقق في القياسين . وكذلك لا يقع التعارض في أقاويل الصحابة لان كل واحد منهما ( إنما ) قال ذلك عن رأيه والرواية لا تثبت بالاحتمال ، وكما أن الرأيين من واحد لا يصلح أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فكذلك من اثنين . وأما الحكم فنقول : متى وقع التعارض بين الآيتين فالسبيل الرجوع إلى سبب النزول ليعلم التاريخ بينهما ، فإذا علم ذلك كان المتأخر ناسخا للمتقدم فيجب العمل بالناسخ ولا يجوز العمل بالمنسوخ ، فإن لم يعلم ذلك فحينئذ يجب المصير إلى السنة لمعرفة حكم الحادثة ، ويجب العمل بذلك إن وجد في السنة ، لان المعارضة لما تحققت في حقنا فقد تعذر علينا العمل بالآيتين ، إذ ليست إحداهما بالعمل بها أولى من الأخرى والتحقق بما لو لم يوجد حكم الحادثة في الكتاب فيجب المصير إلى السنة في معرفة الحكم . وكذلك إن وقع التعارض بين السنتين ولم يعرف التاريخ فإنه يصار إلى ما بعد السنة فيما يكون حجة في حكم الحادثة ، وذلك قول الصحابي أو القياس الصحيح على ما بينا من قبل في الترتيب في الحجج الشرعية ، لان عند المعارضة يتعذر العمل بالمتعارضين ، ففي حكم العمل يجعل ذلك كالمعدوم أصلا . وعلى هذا قلنا : إذا ادعى رجلان نكاح امرأة وأقام كل واحد منهما البينة وتعذر ترجيح إحدى البينتين بوجه من الوجوه فإنه تبطل الحجتان ويصير كأنه لم يقم كل واحد منهما البينة .